أحمد بن محمود السيواسي
75
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
مِنَ النَّبِيِّينَ ) هو بيان ( مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ) تبعيض وبدل من « النبيين » ، قوله ( وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ) عطف عليه ، وكذا ( وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ ) وكان إدريس من ذرية آدم ، لأنه قريب منه ، وروي : أنه جد أبي نوح ، وإبراهيم ممن حمل مع نوح في السفينة ، لأنه من ولد سام بن نوح ، وإسماعيل وإسحق ويعقوب من ذرية إبراهيم ، وموسى وهارون وزكريا ويحيى من ذرية إسرائيل وهو يعقوب ، وكذا عيسى ، لأن مريم من ذريته « 1 » ، قوله ( وَمِمَّنْ هَدَيْنا ) يجوز أن يعطف على « مِنَ » الأولى والثانية ، ويجوز أن يستأنف ويتعلق بقوله « إذا يتلي » الآية ، تقديره : وممن هدينا ، أي أكرمنا بالإسلام ( وَاجْتَبَيْنا ) أي اصطفينا بالقربة من عندنا بعد هؤلاء قوم وهم عبد اللّه بن سلام وأصحابه ( إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ ) أي تقرأ على هؤلاء ( آياتُ الرَّحْمنِ ) أي القرآن ( خَرُّوا ) أي سقطوا على الأرض ( سُجَّداً ) أي ساجدين ( وَبُكِيًّا ) [ 58 ] أي باكين من خوف اللّه ، وهما حالان مقدرتان من ضمير « خَرُّوا » ، ويحتمل أن يكون « أُولئِكَ » مبتدأ ، و « الَّذِينَ » إلى قوله « إِذا » وصفا له ، وجملة « إِذا » خبره ، والمعنى : أن الأنبياء قبلكم كانوا يسجدون لسماع آيات اللّه تعالى فكونوا مثلهم ، قال صلّى اللّه عليه وسلم : « اتلوا القرآن وابكوا ، فإن لم تبكوا فتباكوا » « 2 » ، أي إن لم تبك أعينكم فلتبك قلوبكم ، يعني تحزنوا عند سماع القرآن تغفروا به ، فان القرآن نزل بحزن على المحزونين . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 59 ] فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ( 59 ) ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ ) أي بقي من بعد الأنبياء ( خَلْفٌ ) بسكون اللام بقية السوء ، وبالفتح بقية الخير « 3 » ، والمراد من الخلف اليهود والنصارى « 4 » ، وقيل : « هم من هذه الأمة » « 5 » ( أَضاعُوا الصَّلاةَ ) المفروضة عن وقتها أو تركوها ، وقيل : « إضاعتها أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر ولا يصلي العصر حتى تغرب الشمس » « 6 » ( وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ ) أي اللذات المحرمة من شرب الخمر والزنا أو استحلال نكاح الأخت من الأب ( فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ) [ 59 ] أي هلاكا وضلالا عن طريق الجنة ، وقيل : « هو واد في جهنم تستعيذ منه أوديتها من حره ، أعد للزاني وشارب الخمر وآكل الربوا وشاهد الزور ولأهل العقوق وتارك الصلاة » « 7 » . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 60 ] إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ( 60 ) قوله ( إِلَّا مَنْ تابَ ) استثناء من فاعل « يَلْقَوْنَ » ، أي إلا من رجع من الكفر ( وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ) بعد التوبة ( فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ) [ 60 ] أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم التي كانت في حال الكفر نقصانا ما ، لأن تقدم الكفر لا يضرهم إذا تابوا . [ سورة مريم ( 19 ) : آية 61 ] جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ( 61 ) قوله ( جَنَّاتِ عَدْنٍ ) بدل من « الجنة » لاشتمالها على جنات عدن ، والعدن علم بمعنى الإقامة أو علم الأرض الجنة ، ووصفها بقوله ( الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ ) وهو ما غاب على العباد ، أي وعدها لهم ولم يروها ، وقيل : بتصديق الغيب « 8 » ( إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ ) أي إن الشأن كان وعد اللّه ( مَأْتِيًّا ) [ 61 ] مفعول من الاتيان بمعنى الفاعل ، أي جائيا البتة ، وقيل : المراد من الوعد الجنة ، وهم يأتونها فيكون بمعنى المفعول منه « 9 » ، وقيل : معناه
--> ( 1 ) أخذه المفسر عن الكشاف ، 4 / 13 . ( 2 ) رواه ابن ماجة ، إقامة ، 176 ؛ وانظر أيضا الكشاف ، 4 / 13 . ( 3 ) أخذ المولف هذا المعنى نقلا عن الكشاف ، 4 / 13 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 627 . ( 4 ) نقله عن السمرقندي ، 2 / 328 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 627 . ( 5 ) عن مجاهد وقتادة ، انظر البغوي ، 3 / 627 . ( 6 ) عن سعيد بن المسيب ، انظر البغوي ، 3 / 628 . ( 7 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 3 / 628 . ( 8 ) قد أخذه عن الكشاف ، 4 / 14 . ( 9 ) أخذ المؤلف هذا المعنى نقلا عن الكشاف ، 4 / 14 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 3 / 628 .